إبراهيم بن محمد الميموني
139
تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
وتبجح به ثم أعقبه بإنكار عامة العلماء بالأقطار الحجازية على المرحوم السلطان قايتباى وعلى وكيله الخواجة ابن الزمن ، حيث تعدى على جانب المسعى مقدار ثلاثة أذرع وأدخله في رباطه الذي وقفه بمكة المشرفة ليسكنه الفقراء ، فقام عليه القضاة والعلماء وأحضروا له النقل من تاريخ الفاكهي بأن عرض المسعى كان خمسة وثلاثين ذراعا وذرعوا من ركن المسجد إلى المحل الذي وضع فيه ابن الزمن أساسه فكان سبعة وعشرين ذراعا ، فعند ذلك منعه القاضي وتوجه بنفسه ومنع البنائين وأجمع علماء العصر على المنع ، فعند ذلك غضب المرحوم السلطان قايتباى من ذلك وعزل القاضي وولى غيره وبنى الرباط وأدخل القدر المذكور من المسعى فيه ، قال القطبي : ويا لله العجب كيف ارتكب السلطان قايتباى هذا الأمر المجمع على تحريمه في مشعر من مشاعر الله تعالى طالبا الثواب ، مع أنه كان أحسن ملوك الجراكسة عقلا ودينا وخيرية ؟ وكيف يعزل قاضى الشرع الحنيف لكونه نهى عن منكر ظاهر الإنكار ؟ فلو كان جوابه الذي ينجح بانفراده صحيحا لما ساغ له الإنكار على المرحوم السلطان قايتباى ووكيله الخواجة ابن الزمن في هذا الفعل ؛ لأن لهما أن يتمسكا بما أجاب به من أن المسعى له حكم الطريق العام فيجوز أخذ جانب منه وإدخاله في المساجد ونحوها كالرباط ، فلو لا أنه ليس له حكم الطريق العام في ذلك لكونه كالمساجد المسبلة ؛ لأنه مشعر من مشاعر الله تعالى للعبادة فيه ما ساغ إجماع علماء ذلك العصر على إنكاره ، ولكن وقع له ذلك ليظهر صدق قول الأمام مالك رحمه الله تعالى : كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا المعصوم صلى اللّه عليه وسلم ، وكلام إمامنا الشافعي رضي الله عنه حيث قال : صنفت هذه الكتب وما ألوت فيها جهدا وإني لأعلم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » . هذا وقد فات القطبي شئ آخر نبه عليه الإمام التقى الفاسي وقال : إن الأزرقي لم يذكره ، وقد ذكر ذلك الفاسي مع التنبيه على الاعتراض السابق الذي نسبه القطبي لنفسه ، فقال التقى : ويسرع الساعي إذا توجه من الصفا إلى المروة إذا صار بينه وبين العلم الأخضر الذي بالمنارة المشار إليها والمحاذى له نحو ستة أذرع على ما ذكر صاحب التنبيه وغيره ، قال المحب الطبري في شرحه للتنبيه :
--> ( 1 ) النساء : آية ( 82 ) .